كثيرًا ما نسمع شخصًا يقول:
«معدتي بتوجعني لما أتوتر»، أو «كل ما أتعرض لضغط نفسي بحس بحرقة وانتفاخ».

وهذا ليس مجرد وهم. هناك تواصل مستمر بين الدماغ والجهاز الهضمي، ويمكن للضغط النفسي والقلق أن يؤثرا في الإحساس بالألم، وحركة الجهاز الهضمي، وبعض الأعراض الهضمية، خصوصًا في الاضطرابات الوظيفية مثل عسر الهضم الوظيفي. وتشير مصادر طبية إلى أن القلق والاكتئاب قد يلعبان دورًا في هذه الحالة، وأن بعض العلاجات النفسية وأساليب خفض التوتر قد تساعد في تخفيف الأعراض.

لكن من المهم جدًا التفريق بين تأثير المشاعر على الأعراض الهضمية وبين القول إن كل مرض في المعدة سببه نفسي. فالتهاب المعدة والقرحة، مثلًا، قد تكون لهما أسباب عضوية واضحة مثل جرثومة المعدة H. pylori أو بعض المسكنات، ولا ينبغي استبدال التشخيص الطبي بتفسير شعوري.

المعدة وعلاقتها بالتوتر
عندما نعيش ضغطًا مستمرًا، يبقى الجسم في حالة تأهب لفترات طويلة. وقد ينعكس ذلك على طريقة عمل الجهاز الهضمي وعلى إدراكنا للألم والانزعاج.
لهذا قد تظهر لدى بعض الأشخاص أعراض مثل:
الحموضة، الغثيان، الانتفاخ، التجشؤ، الشعور بالامتلاء، ألم أعلى البطن، أو اضطراب الهضم.
وفي بعض الحالات، لا تكون المشكلة الأساسية وجود تلف واضح في المعدة، وإنما اضطراب في كيفية تفاعل الدماغ والجهاز الهضمي ومعالجة الإشارات القادمة من الجهاز الهضمي.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى الإنسان كمنظومة متكاملة: الجسد يتأثر بما نعيشه نفسيًا، لكن الجسد أيضًا قد يكون لديه مرض عضوي يحتاج إلى تشخيص وعلاج.
ما المقصود بالأسباب الشعورية؟
عندما نتحدث عن «الأسباب الشعورية» من منظور نفسي أو إرشادي، فالأفضل ألا نتعامل معها على أنها سبب طبي مباشر للمرض، وإنما كعوامل قد تزيد الأعراض أو تؤثر في طريقة تعامل الشخص معها.

ومن أكثر الأنماط التي قد تستحق التأمل:

1. القلق المستمر

الشخص الذي يعيش في حالة ترقّب دائم قد يصبح أكثر حساسية للإشارات الجسدية، وقد يشعر بانزعاج هضمي أكبر أثناء فترات القلق والتوتر.

السؤال هنا ليس فقط:
ماذا يحدث لمعدتي؟
بل أيضًا:
ما الذي يجعل جسمي يعيش في حالة تأهب مستمرة؟

2. كبت الغضب والانفعالات

بعض الأشخاص لا يعبّرون عن غضبهم أو استيائهم، فيعتادون الصمت والتنازل وتحمل ما لا يريدون.

ليس صحيحًا طبيًا أن «الغضب المكبوت يسبب قرحة المعدة» بهذه الصورة المباشرة، لكن التعامل المزمن مع الانفعالات والضغط النفسي قد يكون جزءًا من الصورة النفسية التي ترافق بعض الأعراض الهضمية.

لذلك قد يكون السؤال المفيد في الجلسة:

ماذا أبتلع في حياتي ولا أستطيع التعبير عنه؟

3. الخوف وانعدام الأمان

هناك أشخاص يعيشون وكأن الخطر قادم دائمًا:
خوف من المستقبل، من فقدان شخص، من الفشل، من المال، من العلاقات أو من عدم السيطرة.

وعندما يصبح هذا النمط مستمرًا، قد يتحول التوتر إلى تجربة جسدية متكررة.

4. صعوبة «هضم» الأحداث

هذا تعبير استعاري وليس تشخيصًا طبيًا.

أحيانًا نجد شخصًا ما يزال يعيش داخليًا في موقف قديم، يراجعه، يحلله، ويعيده عشرات المرات.

هنا يمكن استخدام السؤال:

ما الذي حدث في حياتك وما زلت غير قادر على تقبّله أو استيعابه نفسيًا؟

وهذا قد يكون مدخلًا مفيدًا لفهم التجربة النفسية، دون الادعاء بأن الحدث هو السبب العضوي للمرض.

5. التوتر المزمن وفقدان الراحة

قد لا تكون هناك مشكلة نفسية واحدة واضحة، بل نمط حياة كامل قائم على الاستعجال، المسؤوليات، الضغط، قلة النوم، والخوف من التوقف.

في هذه الحالة يصبح السؤال:

هل جسدي يعيش أصلًا في حالة راحة؟
وماذا عن قرحة المعدة والتهابها؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
القرحة الهضمية، مثلًا، ترتبط بشكل أساسي بعدوى جرثومة المعدة H. pylori أو باستخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية مثل الإيبوبروفين والأسبرين والنابروكسين.
أما التهاب المعدة وأشكال اعتلال المعدة، فلها أسباب متعددة أيضًا، منها جرثومة المعدة وبعض الأدوية والكحول وأسباب مناعية وغيرها. وهناك حالة محددة تسمى التهاب المعدة الناتج عن الشدة (stress gastritis) ترتبط عادةً بأمراض جسدية شديدة، مثل الإصابات الخطيرة والحروق الشديدة والحالات الحرجة، وليس بمجرد التوتر اليومي المعتاد.
لذلك من المهم جدًا ألا نقول لشخص يعاني من قرحة أو التهاب معدة:
«مرضك سببه مشاعرك فقط.»
هذه جملة غير دقيقة وقد تؤخر التشخيص والعلاج المناسب.
إذن أين يأتي التشافي الشعوري؟
التعامل الشعوري يمكن أن يكون جزءًا مساعدًا من رحلة الشخص، خاصة عندما تكون الأعراض مرتبطة بالقلق أو الضغط النفسي أو اضطرابات وظيفية في الجهاز الهضمي.
يمكن أن نعمل مثلًا على:
فهم مصادر الضغط → ملاحظة المشاعر → التعبير الصحي عنها → تنظيم الاستجابة للتوتر → تعديل الأنماط الحياتية والنفسية → متابعة الحالة طبيًا عند الحاجة.
والفكرة الأساسية ليست:
«المعدة مريضة لأنك غاضب.»
بل:
«جهازك الهضمي يتفاعل مع جسدك النفسي والعصبي، ولذلك فهم حالتك النفسية قد يكون جزءًا مهمًا من فهم تجربتك مع الأعراض.»

رسالة مهمة
المعدة ليست مجرد عضو يهضم الطعام؛ إنها جزء من منظومة تتفاعل باستمرار مع الدماغ والجهاز العصبي والحالة النفسية.

لكن ليس كل ألم في المعدة سببه نفسي، وليس كل عرض جسدي رسالة شعورية يجب تفسيرها.

عند وجود أعراض مستمرة أو شديدة، أو أعراض مثل القيء الدموي، البراز الأسود، الألم الشديد المفاجئ، الدوخة أو الإغماء، ينبغي طلب التقييم الطبي بسرعة.

التشافي الحقيقي لا يعني أن نختار بين الجسد والنفس؛ بل أن ننظر إلى الإنسان كاملًا، ونمنح كل جانب حقه في الفهم والعناية.

حمزة المحاميد